أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

144

العقد الفريد

محمد بن الحجاج البزّاز - وكان راوية بشار - قال : قال بشار ذات يوم ، وهو يعبث ، وكان مات له حمار قبل ذلك ، قال : رأيت حماري البارحة في النوم ، فقلت له : ويلك ! مالك متّ ؟ قال : إنك ركبتني يوم كذا وكذا ، فمررنا على باب الأصبهاني ، فرأيت أتانا « 1 » عند بابه ، فعشقتها فمت ! وأنشد : سيّدي خذ لي أمانا * من أتان الأصبهاني إنّ بالباب أتانا * فضلت كلّ أتان تيّمتني يوم رحنا * بثناياها الحسان وبغنج ودلال * سلّ جسمي وبراني ولها خدّ أسيل * مثل خدّ الشيفران فبها متّ ولو عش * ت إذا طال هواني ! فقال له رجل من القوم : يا أبا معاذ ، ما الشيفران ؟ قال : هو شيء يتحدّث به الحمير . فإذا لقيت حمارا فاسأله . وقيل لأعرابي وهو واقف على ركيّة « 2 » مالحة : كيف هذا الماء ؟ قال : يخطئ القلب ، ويصيب الاست . وأخذ رجل شرب ، فأتى به الوالي فقال : استنكهوه . فقالوا : إن نكهته لا تبين عنه . قال : فقيئوه . فقال الشارب : فإن لم أقيء شرابا فمن يضمن لي عشائي ؟ رافق أعرابي أعرابيا في سفر فقال : أنا واللَّه أشتهي كشكيّة « 3 » . ومدّ بها صوته فضرط ، فقال له صاحبه : ما نفختك يا بن عمّ ! أبو الخطاب قال : كان عندنا رجل أحدب فسقط في بئر فذهبت حدبته وصار آدر ، فدخلوا ليهنئوه ، فقال : الذي جاء شرّ من الذي ذهب . أبو حاتم قال : رمي رجل أعور بنشابة ، فأصابت عينه الصحيحة ، فقال : أمسينا وأمسى الملك للَّه .

--> ( 1 ) الأتان : أنثى الحمار . ( 2 ) الركيّة : البئر لم تطو . ( 3 ) الكشكية : نسبة إلى الكشك .